ابن قتيبة الدينوري
89
عيون الأخبار
فلمّا رأى أن غبّ أمري وأمره * وولَّت بأعجاز الأمور صدور تمنّى نئيشا ( 1 ) أن يكون أطاعني * وقد حدثت بعد الأمور أمور وقال سبيع لأهل اليمامة « يا بني حنيفة ، بعدا كما بعدت عاد وثمود ( 2 ) ، أما واللَّه لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه كأني أسمع جرسه وأبصر غيبه ولكنّكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندم ، وأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق ومن تهمتي الندامة ، وأصبح في يدي من هلاككم البكاء ومن ذلَّكم الجزع ، وأصبح ما فات غير مردود وما بقي غير مأمون . وإني لمّا رأيتكم تتّهمون النصيح وتسفّهون الحليم استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء . واللَّه ما منعكم اللَّه التوبة ولا أخذكم على غرّة ولقد أمهلكم حتى ملّ الواعظ وهن الموعوظ وكنتم كأنما يعنى بما أنتم فيه غيركم » . وأشار رجل على صديق له برأي ، فقال له : « قد قلت ما يقول الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمرّه وحزنه ( 3 ) بسهله ويحرّك الإشفاق منه ما هو
--> ( 1 ) هذه الأبيات لنهشل بن حرّي بن ضمرة الدارميّ كما ورد في معجم البلدان لياقوت الحموي ( ج 1 ص 702 طبع أوروبا ) وهو شاعر مخضرم أدرك الجاهلية وعاش في الإسلام ، وكان من خير بيوت بني دارم . أسلم ولم ير النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وصحب عليا عليه السلام في حروبه وكانت وفاته سنة 45 ه . الأعلام ج 8 ص 49 . ( 2 ) عاد وثمود قبيلتان من العرب العاربة . جمهرة أنساب العرب ص 9 و 486 . ( 3 ) الحزن : خلاف السهل ، وهو ما غلظ من الأرض ، والجمع حزون .